![]() |
| «من الطب إلى النصب» 3 قروش تُنهي مستقبل طالب! |
ماهي الدوافع نحو الانتحال؟!..هل هي هواية بعض مرتكبيها في التقمص؟! ..أم الظروف الاجتماعية القاسية هي التي تضطرهم لهذا السبيل ؟! ..أم حلم الثراء السريع يراودهم ؟!..بلاشك خلف كل قصة من هذه القصص عشرات الحكايات التي ترسم ملامح الواقع الذي يعيشه الجناة.
أغرب القضايا زمان..
الدكتور محمد فتحي عبد العال، عرض أغرب هذه القضايا في كتابه "شج رأس التاريخ" وتناولها بالشرح والبيان والتحليل...
لم تكن الصحافة قديمًا تفصح عن واقع المجرمين ولا تحاول البحث خلفه، فهي عادة ما تنتهي مهمتها برصد الخبر، فلا تلبي فضول القارىء لمزيد من المعرفة والدراسة القريبة عن كثب ولا تبلور عبر وعظات كل قصة، لكن صحافة ما بعد ثورة 1952م كانت أكثر نضجًا في تتبع أسرار القضايا ولو كانت بسيطة أو تقليدية فهي تفحص وتمحص، ربما الباعث كان تكشف فساد النظام الملكي وقسوته، لكن وعلى كل حال فقد أخذت الطريق الصحيح لمهمة الصحافة المجتمعية .. فمجلة "التحرير" على سبيل المثال، وفي يوليو عام 1957م تقص علينا قصة من عالم الانتحال أيضا، ولكن مع مناقشة الدوافع باستفاضة.
الشاب المحتال هنا (أغفلت المجلة اسمه) أدعى أنه طبيب نائب جراحة بمستشفى حلوان باسم مزيف ورقم تليفون أيضا مزيف، واعتاد النصب على الصيدليات، حيث يُبرز مواهبه كطالب طب سابق ويناقش الصيدلي في بعض الشئون الطبية، ثم يُخبره أن حافظة نقوده سُرقت ويطلب قرشين على سبيل السُلفة ليذهب إلى أقرب مطعم فول ويملأ فراغ معدته.
لكن الحظ أوقعه مع الدكتور "عبد العزيز الحكيم " صاحب أجزاخانة، وكان قد أقرض الشاب خمسين قرشًا على وعد بردها، وأعطاه رقم تليفون مزيف، اتضح أنه يخص سيدة، والتي بدورها شكت له من تكرار المأساة .
المصادفة وضعت نهاية القصة التي كانت مأساة بالفعل فبينما كان الدكتور "عبد العزيز "خارجًا من السينما، لمح الشاب أمامه فقبض عليه وسلمه للبوليس.
المُحزن والذي تكشفه المجلة أن الشاب كان طالبًا في كلية الطب، وفي السنة السادسة وبينه وبين حلمه في الحصول على البكالوريوس ستة أشهر فقط، ولكن الظروف القاسية من حوله أطاحت بأحلامه وقلبت مصيره رأسًا على عقب.
كانت نشأة الشاب في أسرة ميسورة الحال، فوالده مهندس كبير، تزوج بعد والدته التي ماتت وعمره عامان ،وبعد أن رُزق من زوجته الجديدة بولدين بدأت العلاقة تسوء بين الأب وابنه حتى وصلت إلى القطيعة، وأصبح على الابن المسكين أن يواجه الحياة بمفرده، وأن يدبر مصروفاته المعيشية والجامعية، فعمل في شركة إعلان لمدة ثلاثة أشهر بعدها أوصدت أبوابها، ثم مُترجمًا بإحدى المجلات الأسبوعية براتب أربعة جنيهات شهريا ثم استغني عنه، فعمل مترجمًا للإعلانات الطبية بخمسة عشر قرشا للإعلان.
ومع بدء العام الدراسي بالجامعة بدأت تضيق به الأحوال، فلجأ إلى اتحاد كلية الطب يطلب العون فرفضوا فلجأ لوزارة الأوقاف والتي رفضت؛ لأنها دفعت1000 جنيه لصندوق الطلبة ولن تزيد عليه مليمًا واحدًا.
اضطر الشاب أن يعود لاستثمار مواهبه مرة أخرى فعمل رسامًا وخطاطًا للإعلانات، ومع ذلك لم يجني من ذلك ما يُلبي احتياجاته، فمسح بلاط اللوكندة التي ينام فيها حتى يضمن المأوى .
مرض الشاب بضعة أشهر، بعدها ضاقت به الأحوال أكثر فأكثر، فطلب من أستاذه الذي يشرح له أن يعمل "تمرجيًا" في عيادته الكبيرة، فرفض بحجة أن ذلك لا يتفق وكرامة الطالب!!، هكذا انسدت كل الأبواب وضاقت عليه أبواب الرزق بما رحبت، فسلك طريق النصب وكان ما كان من أمره ..
.webp)